إن الأزمات الوطنية الكبرى لا تُعالج بقرارات منفردة، ولا تُختزل في استحقاق انتخابي أو إجراء إداري، وإنما تُعالج ببناء منظومة عدالة متكاملة تعيد الاعتبار للدولة، وتُرسخ سيادة القانون، وتضمن الحقوق والحريات، وتُخضع الجميع للمساءلة دون تمييز.
لقد أصبحت فلسطين اليوم أمام منعطف تاريخي غير مسبوق. فشعبنا، ولا سيما في قطاع غزة، يعيش حالة من الضبابية والقلق لا يعرف معها إلى أين تتجه المرحلة المقبلة. هل ستُشكَّل حكومة وفاق؟ أم لجنة لإدارة غزة؟ أم سيبقى الواقع السياسي على حاله؟ أسئلة مشروعة تتردد في أذهان المواطنين، بينما تغيب الرؤية الوطنية الواضحة التي تمنح الناس الثقة والأمل.
إن بناء الدولة لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل ببناء المؤسسات. ولا يبدأ بالحديث عن الانتخابات فقط، وإنما بإعادة إحياء منظومة العدالة التي تشكل أساس أي نظام سياسي يحترم شعبه ويصون حقوقه.
ولذلك، فإن الحديث عن الانتخابات يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني متكامل، لا مشروعاً منفصلاً عنه. فالانتخابات استحقاق دستوري وقانوني لا خلاف عليه، وقد طالبت منذ عام 2010 بضرورة احترام قانون الانتخابات وإجرائها في مواعيدها القانونية، إيماناً مني بأن احترام القانون هو الضمانة الحقيقية لاستقرار النظام السياسي وتجديد شرعيته. لكن، وللأسف، غلبت الحسابات الحزبية والعصبية التنظيمية على سيادة القانون، فتعطلت المؤسسات، وتعطل معها جزء كبير من الحياة الدستورية، حتى وصلنا إلى ما نعيشه اليوم.
لقد أثبتت التجربة أن غياب العدالة يفتح الباب أمام الانقسام، وأن تعطيل القانون يضعف ثقة المواطن بمؤسساته، وأن تغليب المصالح الفصائلية على المصلحة الوطنية لا ينتج إلا مزيداً من الأزمات.
واليوم، لم يعد المواطن الفلسطيني يبحث فقط عن موعد للانتخابات، بل يبحث عن دولة تحميه، وقضاء مستقل ينصفه، ومؤسسات تعمل وفق القانون، وسلطة تخضع للمساءلة، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة لا على المحاصصة، وعلى المواطنة لا على الانتماء الحزبي.
ولا شك أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأولى عما تعرض له شعبنا من قتل ودمار وعدوان، لكن مواجهة هذا الاحتلال تتطلب أيضاً جبهة داخلية قوية، ومؤسسات شرعية، ومنظومة عدالة قادرة على توحيد الشعب وتعزيز صموده، لا استمرار الانقسام وتعدد مراكز القرار.
إن فلسطين اليوم بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة، عنوانها إعادة بناء الدولة على أساس سيادة القانون، واستقلال القضاء، واحترام الدستور، وتداول السلطة، والشراكة الوطنية، والمحاسبة. فهذه ليست شعارات سياسية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الدول، وتنهض به الشعوب.
إن الانتخابات ستبقى جزءاً من هذه المنظومة، وليست المنظومة كلها. أما إذا استمرت العقلية التي عطلت القانون بالأمس، فلن يكون تغيير المواعيد أو الوجوه كافياً لتغيير الواقع.
فالدول لا تبنى بالأمنيات، وإنما تبنى بالعدالة، ولا تستقر بالمحاصصة، وإنما بسيادة القانون، ولا تنهض إلا عندما يشعر كل مواطن أن حقوقه مصانة، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.
إن فلسطين لا تحتاج اليوم إلى تغيير المشهد السياسي فحسب، بل تحتاج إلى منظومة عدالة تعيد بناء الدولة، وتحفظ كرامة الإنسان، وتصون الوطن للأجيال القادمة.
بقلم المستشار تامر عكيلة.

0 التعليقات